حرمان الجسم من النوم، أمر مقلق له تداعيات خطيرة على الصحة، فتسليم الجسد والحواس لهذه الاستراحة الهادئة محطة لا يمكن تعويضها بأي شكل، وهذا "الدين" المتراكم لا يمكن تعويضه أو تسديده على دفعات.
مثلاً قضيتَ الأيام من الاثنين إلى الجمعة مكتفياً بخمس ساعات من النوم فقط، حيث كنتَ تعمل لساعات متأخرة وتستيقظ مبكراً لتكرار الروتين ذاته. ثم يأتي يوم السبت لتنعم بـ 12 ساعة رائعة من النوم، وتشعر بالانتعاش والنشاط فور استيقاظك. إذن، هل يعني هذا أنك قد عوّضت ما فاتك من نوم؟...
في الواقع، ليس الأمر كذلك تماماً، إذ تُعد فكرة أن قضاء صباحٍ واحد أو عطلة نهاية أسبوع في النوم لساعات إضافية كفيلةٌ بتعويض ما فاتك من نومٍ طوال الأسبوع، واحدةً من أكثر خرافات النوم رسوخاً وشيوعاً، وفق تقرير لصحيفة واشنطن بوست.
وإليك ما يود خبراء النوم أن يدركه الجميع حول حقيقة آلية "تعويض" النوم، ولماذا لا يمكن "تعبئة" رصيد نومك الناقص ببساطةٍ كما تملأ خزان الوقود في السيارة.
شرح مفهوم "ديون النوم"
تُعرف "ديون النوم" (أو تراكم نقص النوم) بأنها الفرق بين مقدار النوم الذي يحتاجه جسمك والمقدار الذي تحصل عليه فعلياً، وذلك وفقاً لما ذكرته كيمبرلي فين، أستاذة الإدراك وعلم الأعصاب الإدراكي في جامعة ولاية ميشيغان. وبعبارة أخرى، هي الكمية التراكمية لساعات النوم المفقودة التي عانى منها الفرد.
تأثير تراكم ديون النوم
يوليسيس ماغالانغ، الطبيب المعتمد ومدير برنامج طب النوم في جامعة ولاية أوهايو، يقول إنه ينبغي عليك عموماً السعي للحصول على سبع ساعات على الأقل من النوم كل ليلة، إذ يحتاج معظم الناس إلى ما بين سبع وتسع ساعات من النوم ليعملوا بكفاءة في اليوم التالي. وتضيف فين أن المقدار المثالي لك هو ذلك الذي يجعلك تستيقظ وأنت تشعر بالراحة وتمتلك طاقة كافية لإكمال يومك.
كل ليلة لا تحصل فيها على قسط كافٍ من النوم تزيد من حجم "الدين" المتراكم، توضح فين. فعلى سبيل المثال، إذا كنت بحاجة إلى ثماني ساعات من النوم كل ليلة لتكون في أفضل حالاتك، ونمت ست ساعات فقط ليلة الأحد، فسيكون عليك "دين" قدره ساعتان بحلول يوم الاثنين. وإذا استمر هذا النمط طوال الأسبوع، فسيصل إجمالي ديون النوم المتراكمة لديك إلى 10 ساعات بحلول يوم السبت.
ويشير ماغالانغ إلى أن الآثار الجانبية قصيرة المدى لعدم الحصول على قسط كافٍ من النوم تشمل الشعور بالتعب، ومشاكل في التركيز، وصعوبة في الانتباه، وسرعة الانفعال، وضعف الذاكرة. أما الحرمان المزمن (طويل الأمد) من النوم، فيرتبط بمشكلات صحية مثل ضعف جهاز المناعة، وارتفاع ضغط الدم، وأمراض القلب، والسكتة الدماغية، وزيادة الالتهابات، والضعف الإدراكي، ومقاومة الأنسولين، وذلك وفقاً لما أظهرته الأبحاث.
هناك أيضاً أدلة تشير إلى أن الأشخاص الذين ينامون بانتظام أقل من ست ساعات ليلاً تكون أعمارهم أقصر مقارنةً بمن ينامون أكثر من ست ساعات.
لماذا لا تُعد محاولة "تعويض ما فات من نوم" أفضل استراتيجية؟
على الرغم من أنك قد تشعر بالانتعاش على المدى القصير بعد النوم لوقت متأخر صباحاً، إلا أن تغيير مواعيد النوم والاستيقاظ بشكل جذري قد يجعلك تشعر بمزيد من الخمول أو الإرهاق، بحسب فين؛ إذ توضح قائلة: "يُعد انتظام النوم أمراً مهماً للشعور بالراحة التامة، والحياد الكبير عن هذا النمط قد يخلّ بساعتك البيولوجية".
وتشدد على أن الحفاظ على موعد ثابت للنوم أمر بالغ الأهمية؛ فإذا ذهبت إلى الفراش في موعدك المعتاد ولكن كان لديك "ديون نوم" متراكمة، فيمكنك السماح لنفسك بالنوم لساعة إضافية أو نحو ذلك في الصباح.
وتضيف فين: "عادةً، ونظراً لقوة الإيقاع اليوماوي (الساعة البيولوجية)، لا ينام معظم الناس أكثر من ساعة واحدة بعد موعد استيقاظهم المعتاد، ما لم تكن هناك عوامل أخرى مؤثرة - مثل تعاطي الكحول أو المخدرات، أو الحرمان الشديد من النوم".
ومع ذلك، تشير المتخصصة إلى أن صحتك قد تظل عرضة للخطر اعتماداً على حجم "ديون النوم" المتراكمة؛ فعلى سبيل المثال، وجدت دراسة صغيرة أُجريت عام 2019 ونُشرت في دورية Current Biology أن النوم التعويضي خلال عطلة نهاية الأسبوع ليس وسيلة فعالة للوقاية من الأضرار الأيضية المرتبطة بالحرمان المزمن من النوم.
ماغالانغ بدوره يؤكد: "نحن نعلم أن الحرمان من النوم يرتبط بارتفاع ضغط الدم، ولكن لا توجد في الواقع دراسة قاطعة تؤكد أنه في حال أُصبت بارتفاع ضغط الدم، نتيجة لنقص النوم المزمن، فإن زيادة ساعات نومك ستؤدي إلى عكس هذه الحالة وعودة ضغط الدم إلى مستوياته الطبيعية".
وعلاوة على ذلك، يشير ماغالانغ إلى أن انتظام مواعيد النوم لا يقل أهمية عن كمية النوم التي يحصل عليها المرء؛ إذ يُعد الالتزام، إلى حد كبير، بمواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ أمراً جوهرياً لضبط الساعة البيولوجية (أو الإيقاع اليوماوي) للجسم، وهي الساعة التي تنظم وظائف حيوية متعددة، بدءاً من مستويات الهرمونات وعمليات التمثيل الغذائي ووصولاً إلى عملية الهضم.
وقد كشفت دراسة واسعة النطاق أن الأشخاص الذين يتبعون جداول نوم غير منتظمة للغاية كانوا أكثر عرضة بنسبة 26% للإصابة بأحداث قلبية وعائية خطيرة، بما في ذلك النوبات القلبية والسكتات الدماغية. كما ربطت دراسة أخرى بين عدم انتظام النوم وزيادة خطر الوفاة المبكرة مقارنةً بالأشخاص الذين يتبعون روتيناً ثابتاً للنوم.
ما يجب فعله بدلاً من ذلك
وفقاً لكلا الخبيرين، فإن أفضل وسيلة لمواجهة الآثار الصحية المترتبة على الحرمان من النوم هي السعي قدر الإمكان للحصول على القدر المثالي من النوم، والذي يتراوح بين سبع وتسع ساعات ليلاً. ومع ذلك، تقر فين بأن إعطاء الأولوية للنوم ليس أمراً ممكناً دائماً.
وإذا مررت ببعض الليالي التي تعجز فيها عن الحصول على قسط كافٍ من النوم وشعرت برغبة ملحة في النوم لوقت متأخر لتعويض ذلك النقص، فإن أخذ قيلولة نهارية لمدة 20 دقيقة، بحسب "فين، قد يكون وسيلة فعالة لمواصلة يومك بنشاط والحفاظ على مواعيد ثابتة للنوم والاستيقاظ.
وتقول فين: "تُعد هذه المدة مثالية لأنها كافية لتعزيز مستويات الطاقة وتحسين المزاج وزيادة الانتباه، لكنها عادةً لا تكون طويلة بما يكفي للدخول في مرحلة النوم العميق". وتضيف أنه في حال كانت القيلولة أطول من ذلك، تزداد احتمالية الاستيقاظ أثناء النوم العميق، مما يؤدي إلى الشعور بـ "قصور اليقظة" (أو ما يُعرف بـ sleep inertia)؛ وهي حالة تتسم بالترنح والخمول وانخفاض في الوظائف الإدراكية والعصبية العضلية.
وتتابع: "لهذا السبب يشتكي الناس أحياناً من شعورهم بتعب أكبر بعد القيلولة مقارنة بما كانوا عليه قبلها. كما أن تراكم "ديون النوم" (أي نقص النوم المتراكم) يزيد من حدة هذه الحالة، مما يجعل أخذ قيلولة طويلة بعد فترة من النوم غير الكافٍ أمراً أكثر إشكالية".
إذاً النوم يشبه أي حاجة بيولوجية أخرى؛ فإذا قصرت فيه أحياناً، فمن المرجح ألا تواجه مشاكل على المدى الطويل، إذ يتمتع جسمك بالمرونة والقدرة على التكيف ومواصلة العمل. لكن الحرمان من النوم لأشهر متواصلة قد يسبب أضراراً جسيمة، وهو أمر ينبغي عليك محاولة تجنبه قدر الإمكان.
تابعونا على منصات التواصل الاجتماعي